يقدّم هذا البحث قراءة معمّقة لدور النساء السوريات في عمليات بناء السلام خلال سنوات الصراع، مستندًا إلى شهادات وتجارب 196 امرأة من مناطق سورية مختلفة، وإلى تحليل مقارن لواقع مشاركتهن السياسية والاجتماعية. تكمن أهميته في أنه لا يكتفي برصد حضور النساء، بل يكشف البنية العميقة للعوائق التي تحدّ من تأثيرهن، ويقترح مسارات عملية لتعزيز مشاركتهن الفاعلة في صناعة السلام.
يبيّن البحث أن النساء السوريات لعبن أدوارًا واسعة ومتنوعة خلال الحرب، من الإغاثة والعمل الأهلي إلى الوساطة المجتمعية والدفاع عن الحقوق. ومع ذلك، بقي حضورهن في المسارات الرسمية لصنع القرار محدودًا للغاية، سواء في مفاوضات السلام أو في المؤسسات السياسية. هذا التناقض بين الدور الفعلي والدور المعترف به يشكّل محورًا رئيسيًا للدراسة.
أبرز النتائج
-
غياب التمثيل الحقيقي: رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها النساء، ما تزال البنى السياسية والاجتماعية التقليدية تُقصيهن من مواقع التأثير، وتُبقي مشاركتهن في إطار رمزي أو شكلي.
-
تأثير الحرب المضاعف: تتحمّل النساء العبء الأكبر من آثار النزاع—اقتصاديًا ونفسيًا واجتماعيًا—ما يجعل مشاركتهن في السلام ضرورة لا خيارًا، لأنهن الأكثر معرفة بتفاصيل المعاناة اليومية.
-
تنوّع التجارب: تختلف تجارب النساء باختلاف المناطق المسيطر عليها، ما يجعل فهم السياق المحلي شرطًا أساسيًا لأي تدخل أو سياسة تتعلق بمشاركتهن.
-
أهمية المسار الثالث: يشير البحث إلى أن المسار المجتمعي (المسار الثالث) هو الأكثر قدرة على تمكين النساء، لأنه يتيح لهن العمل بعيدًا عن القيود الرسمية والسياسية الصارمة.
التوصيات
يدعو البحث إلى توسيع مفهوم السلام ليشمل العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وإلى بناء سياسات تضمن مشاركة النساء في جميع مراحل العملية السياسية—not فقط في التفاوض، بل في إعادة الإعمار، وصياغة الدستور، والمساءلة، وحماية الحقوق. كما يشدد على ضرورة دعم المنظمات النسائية المحلية، وتوفير بيئات آمنة لعملهن، وتعزيز قدراتهن التفاوضية والقيادية.
يقدّم البحث صورة واقعية وشجاعة عن النساء السوريات: فاعلات، مثابرات، ومهمّشات في الوقت نفسه. وهو يذكّر بأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى دون أن تكون النساء جزءًا من صناعته، ليس بوصفهن ضحايا، بل بوصفهن شركاء أساسيين في إعادة تشكيل مستقبل سوريا.